التخطي إلى المحتوى
كيف انتصر «عشق عبد ربه وبلد السمسمية» على بريق الأهلي ؟
حسنى عبد ربه

كتب : مؤمن مجدى

ضمن قلة من اللاعبين في تاريخ الرياضة المصرية، الذين كادوا يتسببون في «حرب جماهيرية»، ولم يمنعهم عدم اللعب في القطبين من التألق مع المنتخب الوطني، بل وتحول إلى واحد من أهم لاعبي الوسط في الكرة المصرية.

القيصر حسني عبد ربه، آخر أساطير الإسماعيلية، الذي عاش وجماهيره قصة حب رائعة، تسببت في بقائه على ذمة الإسماعيلي، دون فراق أو ارتباط بغريم آخر، حتى لو كان زعيم الكرة الأفريقية، والمسيطر على كل شيء آنذاك، الأهلي.

تتذكر بهذه القصة، وتمر على محطات في مشوار «عبد ربه»، الذي تجاوز عقبة «الإقليمية» وأصبح أفضل لاعب في بطولة الأمم الأفريقية في 2008.

فبمجرد أن تطأ قدمك تلك المدينة العظيمة وقتها، وتخطو أولى خطواتك بشوارعها، فلن تسير 50 مترًا في أي شارع إلا وتجد صور ورسومات عبد ربه تغزو كل الجدران، مرفقة بعبارات  تناشده بالبقاء، ولوحات تزين كافة المحال والأكشاك، وعندما يأتى المساء تُضاء كل الأعمدة بصور إلكترونية لعبد ربه، موقعة بكلمتين فقط: «game over».

1- «الإسماعيلية 2008»: صوره تملأ الشوارع.. «جرافيتي» يناشده البقاء.. ولوحاته تزين المحال والأكشاك

في صيف 2008، قبل انطلاق أولى مباريات الأهلي في افتتاح الموسم الجديد، وكانت في دوري أبطال إفريقيا، امتلأ مدرج «الثالثة شمال» على آخره وزين «ألتراس أهلاوى» المكان بالزخم الكبير والتنظيم الرائع، وجاءت لحظة صعود «الكابو ريعو» لإطلاق موجة الهتاف والتشجيع التي تشعل حماسة الجمهور قبل دقائق من دخول اللاعبين أرض الملعب.

ارتفع صوت «الكابو» وبدأ بجمع المدرج من اليمين إلى اليسار بطريقته المعتادة، اشتدت الأصوات، وارتفعت الأيادي والحناجر المتحمسة لاستقبال فريقها في الموسم الجديد، وعلت أصوات الطبلة والدف، وبينما انتظر الجميع كلمات لاستقبال اللاعبين بالموسم الجديد، فاجأ كبير المشجعين الجميع بهتافه: «إحنا خدنا حسنى.. وانتوا ……»، في إشارة منه إلى إتمام مجلس إدارة الأهلي صفقة انتقال حسنى عبد ربه، التى كان صداها ما زال في ساعاته الأولى، بعدما تسرب الخبر في ليلة هذه المباراة.

ردد الجميع هتاف «ريعو»، واحتفل عشرات الآلاف من مشجعى الأهلى بحماسة غير عادية بالخبر السعيد، والانتصار العظيم الذي حققته إدارة فريقهم علي إدارة «الدراويش»، معتبرين هذا الحدث بمثابة البطولة الكبيرة التي تستحق الهتاف ومكايدة جمهور «القلعةالصفراء» بتلك الهتافات وغيرها من الأغنيات الساخرة من موقف غريمهم وجمهوره في هذه المباراة.

بعد أيام تعقد الأمر وتعطلت الصفقة بسبب حالة الغضب الجماهيرية في الإسماعيلية، والثورة العارمة التي انتابت شوارعها.

كنت محظوظًا بزيارتى للإسماعيلية في هذا التوقيت، لأشاهد بنفسى قصة العشق والارتباط بين الجماهير و«القيصر»، والتي لم يكن في استطاعة أي تغطية إعلامية أن تعكسها، مهما كانت.

فبمجرد أن تطأ قدمك تلك المدينة العظيمة وقتها، وتخطو أولى خطواتك بشوارعها، فلن تسير 50 مترًا في أي شارع إلا وتجد صور ورسومات عبد ربه تغزو كل الجدران، مرفقة بعبارات وعبارات تناشده بالبقاء، ولوحات تزين كافة المحال والأكشاك، وعندما يأتى المساء تُضاء كل الأعمدة بصور إلكترونية لـ«عبد ربه»، موقعة بكلمتين فقط: «game over».

ثارت الإسماعيلية ولم تقعد بهذه الطريقة – لأول مرة- من أجل الإبقاء علي قيصرها الأول، ومعشوق الجميع هناك، وسطر جمهور وأهالي «الدراويش» ملحمة في حب نجمهم وناديهم، وكتبوا بقلوبهم وهتافاتهم وتجمعاتهم ودموعهم، أجمل قصة جعلت اللاعب يتراجع عن كافة الإغراءات المالية والإعلامية، فهذه المشاهد التي يقشعر لها الأبدان وتملأ أي قلب بمشاعر جياشة، كفيلة بالعدول عن قرار الانتقال.

ما رأيته في الإسماعيلية يجعل أي شخص، سواء كانت ميوله أهلاوية أو زملكاوية، لا يعشق ويحب حسنى عبد ربه فحسب، بل يُحب حب جمهور الإسماعيلى لـ«حسنى»، ويتمنى أن يعيش تلك المشاهد بنفس حالتها، ولو لحظات.

في الإسماعيلية شيوخ وشباب، رجال ونساء، مسؤولون وعوام، يتنفسون حب حسنى عبد ربه، ذلك الولد الذى كان أصغر من تُوج بالدوري في عامه الـ16 لمجرد جلوسه علي دكة بدلاء هذا الجيل العظيم، ثم قاد قبل عامه الــ20 واحدًا من أفضل الأجيال، الذي كان ندًا ومنافسًا قويًا للاهلي والزمالك ونافس في إفريقيا بقوة، قبل أن ينطلق قطار «حسني» الاحترافي.

ضحى عبد ربه بورقة الأهلي في توقيت كان قادرًا فيه علي أن يحقق من ثلاثة إلى خمسة بطولات في الموسم الواحد، وأن ينال عشق ملايين الأهلاوية في مصر والعالم العربى، فكان حب تلك المدينة الصغيرة بأشخاصها وشوارعها وجدرانها وبحرها وألوانها أقوى وأكبر من أية إغراءات.
هذا الحب عطل مسيرة من الإنجازات والبطولات، إلا أنها كانت كفيلة بصناعة تاريخ أضخم عشرات المرات، إلا أن ما يحياه «حسنى»، الذى يُعد الرمز الأول للمدينة، يفوق أي إنجاز ولا تعوضه أي بطولات أو أموال.

2- يرتبط جداً بوالدته وشقيقه.. أول فسحى لابنه كانت لـ«المسجد».. وصديقه المقرب «إمام»

داخل الملعب يبدو حسني عبد ربه عصبيًا لأقصى درجة، دائم الشجار مع الجميع، خصومًا ورفاقًا، لا يهدأ أبدًا ولا يتوقف عن المشاحنات، وهو ما يُرجعه لغيرته وحبه علي النادى والفريق، لكنها واحدة من أهم المميزات التي يحتاجها أى قائد، خاصة في الأوقات الحرجة لذلك.
كان عبد ربه الإسماعيلاوي الوحيد الذى برزت وطغت شخصيته وسط أساطير الأهلى والزمالك والمحترفين في صفوف منتخب حسن شحاته، وكان لشخصيته القوية مردودًا أكبر، انعكس في أرقامه التي توجها بحصوله علي جائزة أفضل لاعب في امم إفريقيا عام 2008، ونيله لقب ثاني الهدافين، خلف صامويل ايتو، رغم أنه لاعب ارتكاز.

أما خارج الملعب، فتجد صورة أخرى مختلفة تمامًا لـ«عبد ربه»، الطيبة ترافقه وتلازمه في كل تعاملاته مع الأهل والأصدقاء، وحتى الجمهور.
يرى «حسني» أن كل ما يحققه في حياته يعود، بعد توفيق الله سبحانه وتعالى، إلى والدته، تلك السيدة الجميلة التي يزين وجهها الخجل والبراءة والطيبة، ويؤكد طوال الوقت أن دعاءها ودعمها وطاقة حبها، هو مصدر كل قوته.

قبل سنوات قليلة، فاجأ حسنى والدته في عيد ميلادها بإهدائها شقة سكنية غالية الثمن، وعندما أحضرهما من أبو صوير إلى السكن الجديد، أبهرتهما روعة المنظر، ولم تتوقع أمه أن يٌقبل نجلها علي تلك الخطوة، فخيره وعطاؤه لهما لا يتوقف ولم يجعلهما يومًا في حاجة لشيء، ولم يعد والده الرجل البسيط موظف السكة الحديد يجد أية معاناة في ظل نجاحات «القيصر».

رسمت دموع الفرح والسعادة ودعوات لا يحجزها مانع أو عائق عن السماء، أولى لحظات دخول تلك الأم، الجميلة التي أخذ «حسنى» كل ملامحه منها، إلى السكن الجديد.

أبرز ما يميز شخصية «حسنى» خارج الملعب أنه شخص متدين، أكثر ما يشغله في الحياة علاقته بربه وكيفية إرضائه، لذلك عندما شيد مسجد «نور الله» على مساحة كبيرة وبتكلفة ضخمة، وافتتحه في حضور نخبة من النجوم الكبار، قال: «لقد كان حلمي منذ الصغر.. الحمد لله أنني حققت ما أردت».

ورغم الهالة التي تُحيطه، ونجوميته الطاغية التي تملأ مصر شمالًا وجنوبًا، إلا أن أقرب الأصدقاء إلى قلب «حسنى» هو الشيخ مصطفى درويش، إمام إحدى المساجد في مدينة الإسماعيلية، فاللاعب لم يسع لمرافقة وصداقة الأكابر الذين يتمنون، ولو دقيقة، يقضونها إلى جواره، أو المسؤولين لقضاء مصالحه، ولا للفنانين والمشاهير، بل وجد في الشيخ مصطفي خير رفيق، وأكثر ما يستمتع بجلساته.

لدى «حسنى» 3 أولاد، أكبرهم الجميلة نور، ذات الثمانى سنوات، وليثاء التي تصغرها بسنتين، في حين بلغ يأمن سنتين، ولما خطا الصغير خطواته الأولى في الحياة كان «حسنى» حريصًا على اصطحابه إلى المسجد، كأول مكان يزوره ليزرع نفس القيم والعقيدة التي نشأ عليها وآمن بها فيه.

شقيقه «طارق»، صاحب الـ42 سنة، الذى سبق له اللعب في ناشئي الإسماعيلى يعمل مدربًا في قطاع ناشئي «الدراويش»، ويدين «حسنى» لشقيقه الأكبر بفضل كبير، وتربطهما علاقة قوية، يرى «القيصر» أنها كانت واحدة من الأسباب التى جعلته نجمًا كبيرًا، وذلك بفضل توجيهاته ورعايته لموهبته، منذ كان صغيرًا في مدرسة الموهوبين بالإسماعيلية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *